سميح دغيم

355

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

ضروريّا ولا بأن يقدر على نصب دلالة ، فيجب أن لا يسمّى مكلّفا لغيره . وإذا لم يثبت أحدنا مكلّفا لم يثبت ما هو بصورة التكليف في الشاهد . فكيف يجرى هذا الوصف على الغائب مع أنّ الأسامي حكمها أن تؤخذ من الشاهد فتجرى على الغائب ؟ قيل له : إذا كنّا نعلم أنّ هذا المعنى إنّما يصحّ في اللّه تعالى ولا يصحّ في غيره ، جاز منّا أن نصفه بما ينبئ عن هذه الفائدة وإن لم نجد له نظيرا في الشاهد ، إذ ليس كل ما يجرى عليه تعالى يجب أن يكون حكمه هذا الحكم بل هو موقوف على الدلالة . وبعد فقد يصحّ في الشاهد ما يتصوّر بهذه الصورة وإن لم يكن تكليفا في الحقيقة ، نحو أمر الواحد منّا ولده وغلامه وأجيره بفعل من الأفعال فينبّه المأمور على ما يريده منه فيسمّى ذلك تكليفا . فكذلك إذا دلّ اللّه جلّ وعزّ على ما يريده من المكلّفين جاز أن يوصف بهذا الوصف ، لأنّ في الشاهد إنّما أجري هذا الاسم على من اعتقد لزوم طاعته ، وهذه صفته تعالى . وليس يجب فيما يجرى على الغائب إلّا أن يكون له شبه ما بما يجرى على الشاهد . فأمّا المساواة من كل وجه فلا . وعلى هذا صحّ أن يوصف تعالى بأنّه قديم فيفاد به أن لا أوّل لوجوده ، وإن كان أهل اللغة إنّما يتعارفون هذه اللفظة فيما تقادم وجوده على طريقة سبق بها غيره ( ق ، ت 2 ، 190 ، 20 ) - اعلم أنّ التكليف لا بدّ فيه من مشقّة . وظاهر اللفظ ينبئ عن ذلك على ما قاله أبو هاشم من اعتبار الكلفة . وإنّما وجب اعتبار المشقّة لأنّه لولاها لم يحصل التعريض للثواب ، فإنّه لا يستحقّ إلّا على طريق الإعظام والمدح وهما يتبعان فعل ما يشقّ على الواحد منّا . ولو كلّفنا اللّه تعالى ما لا يشقّ علينا لم نستحقّ ثوابا . فلهذا وجب اعتبار المشقّة في سائر ما يدخل تحت التكليف ، وإن كانت المشقّة تتفاوت وتختلف حالها ، فربّما تظهر وربّما لا تظهر في الأوّل حتى يجتمع الشيء منه إلى غيره ( ق ، ت 2 ، 191 ، 13 ) - اعلم أنّ التكليف إذا لم يتمّ إلّا بأمور من جهة اللّه تعالى نحو الإعلام على اختلاف أحواله ونحو الإرادة والكراهة ونحو جعله الفعل شاقّا على المكلّف إلى ما أشبه ذلك ، فمعلوم أنّ بعض هذه الأشياء لا بدّ من تقدّمه والبعض الآخر إنّما يجب مقارنته فقط ولا يجب تقدّمه ( ق ، ت 2 ، 199 ، 2 ) - ثمّ ذكر ( عبد الجبّار ) رحمه اللّه في آخر هذه الفصول أنّ التكليف إذا لم يوجد له مثال في الشاهد على التحقيق فيجب أن تعتبر حاله بنفسه من دون مراعاة المثال . وذلك لأنّ صورة التكليف على ما ذكرناه أن يمكّن المكلّف ويزيح علله ويعرّضه للثواب الذي يعلم توفّره عليه إذا أطاع على الشروط التي نذكرها في هذا الباب . والمعلوم أن مثل ذلك لا يحصل في الشاهد وإنّما يحصل ما يقاربه من الاستدعاء إلى الدين وتقديم الطعام إلى الجائع إلى ما أشبه ذلك . وما خرج عن هذا الباب فهو أمور يفعلها الواحد منّا لأغراض مخصوصة ( ق ، ت 2 ، 230 ، 21 ) - اعلم أنّ المكلّف لا بدّ من أن يختصّ بشرائط وأوصاف لو لم يكن عليها لم يحسن تكليفه . فأوّل ذلك أن يكون قادرا على ما كلّف فعله أو تركه . وليس يخلو التكليف من أحد هذين الوجهين إمّا أن يكلّف الفعل أو يكلّف أن لا يفعل . وعلى كلي الوجهين فلا بدّ من كونه